رايات إسلامية


عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي
رايات إسلامية

معا لتقديم أفضل الخدمات على نهج أهل السنة والجماعة

شريط إعلانات الإدارة
      إدارة منتديات رايات إسلامية ترحب بالسادة الزائرين والأعضاء وتتمنى لكم أن تفيدوا وتستفيدوا
  إدارة المنتدى تعتذر عن الإعلانات فى أعلى وأسفل المنتدى فليس لنا دخل فيها فهى موضوعة من أصحاب السيرفر
جدد نيتك بالتواجد فى المنتدى ولا تجعله يلهيك عن أداء الصلوات والواجبات الأخرى

    فلسطين في التاريخ الإسلامي

    شاطر
    avatar
    الداعى لله ورسوله
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 736
    الدولة : مصر
    النوع : ذكر
    نقاط : 4539
    تاريخ التسجيل : 20/08/2009
      : أذكر ربك
    رسالتى : نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإذا ارتضينا العزة بغيره أذلنا الله

    أصلح النية
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
    إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى
    رواه البخارى ومسلم

    فلسطين في التاريخ الإسلامي

    مُساهمة من طرف الداعى لله ورسوله في الأحد سبتمبر 13, 2009 5:44 pm

    فلسطين في التاريخ الإسلامي



    منذ
    العصر العباسي الثاني الذي ابتدأ بعد منتصف القرن الثالث الهجري ودولة
    الخلافة الإسلامية في ضعف مستمر متزايد، حتى تمزقت دولة الإسلام إلى ثلاث
    خلافات بدلاً من خلافة واحدة فالخلافة العباسية في المشرق، والخلافة
    الفاطمية في مصر وأجزاء من المغرب والشام، والخلافة الأموية في الأندلس،
    وفي مثل تلك الأجواء حدثت الحروب الصليبية.


    الخريطة السياسية للمنطقة قبيل الحروب الصليبية
    قبل بدء الحروب الصليبية بحوالي
    أربعين عاماً نجح السلاجقة الأتراك في بسط سيطرتهم على بغداد وتولي الحكم
    تحت الخلافة الاسمية للعباسيين. فقد استطاع السلاجقة بسط سيطرتهم على
    أجزاء واسعة من فارس وشمال العراق وأرمينيا وآسيا الصغرى حوالي 1040م ثم
    سيطر السلطان السلجوقي طغرل بك على بغداد سنة 1055م، وتوسع السلاجقة على
    حساب البيزنطيين في آسيا الصغرى، وفي 19 أغسطس 1071م وقعت معركة ملاذكرد
    التي قادها السلطان السلجوقي ألب أرسلان وحلت فيها أكبر كارثة بالبيزنطيين
    حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي.

    وفي سنة 1071م سيطر السلاجقة على
    معظم فلسطين عدا أرسوف وأخرجوا النفوذ الفاطمي منها وتوسع السلاجقة على
    حساب الفاطميين في الشام فاستطاعوا الاستيلاء على معظمها.

    وفي سنة 1092م 485 هـ توفي السلطان
    السلجوقي ملكشاه فتفككت سلطة السلاجقة، ودخلوا فيما بينهم في معارك طويلة
    طاحنة على السيطرة والنفوذ، وفي سنة 1096م أصبحت سلطتهم تتكون من خمس
    ممالك: سلطنة فارس بزعامة بركياروق، ومملكة خراسان وما وراء النهر بزعامة
    سنجر ومملكة حلب بزعامة رضوان، ومملكة دمشق بزعامة دقاق، وسلطنة سلاجقة
    الروم بزعامة قلج أرسلان. وكانت معظم مناطق فلسطين تتبع الحكم في دمشق.
    وفي ظل ضعف حاكمي الشام (رضوان ودقاق) ظهرت الكثير من البيوتات الحاكمة
    بحيث لا يزيد حكم كثير منها عن مدينة واحدة.

    لقد بدأ الصليبيون حملتهم 1098م -
    491هـ ومناطق المسلمين في الشام والعراق وغيرها تمزقها الخلافات والصراعات
    الدموية، فقد دخل الأخوان رضوان ودقاق ابنا تتش في حرب بينهما سنة 490 هـ،
    ووقعت معارك عديدة بين محمد بن ملكشاه وأخيه بركياروق في الصراع على
    السلطنة تداولا فيها الانتصارات والخطبة لهما بدار الخلافة 492-497هـ.


    الحملة الصليبية الأولى ونتائجها
    وفي تلك الأثناء أخذت الأنظار في
    أوروبا تتجه نحو الأرض المقدسة بعد أن دعا البابا أوربان الثاني (1088 -
    1099م) في مجمع كليرومونت 26 تشرين ثاني / نوفمبر 1095م «لاسترداد»
    الأراضي المقدسة من أيدي المسلمين، تم عقد عدة مجمعات دعا فيها للحروب
    الصليبية (ليموج، انجرز، مان، تورز، بواتييه، بوردو، تولوز، نيم) خلال
    1095-1096م، وقرر أن كل من يشترك في الحروب الصليبية تغفر له ذنوبه، كما
    قرر أن ممتلكات الصليبيين توضع تحت رعاية الكنيسة مدة غيابهم، وأن يخيط كل
    محارب صليباً من القماش على ردائه الخارجي.

    وبدأت الحملات الصليبية بحملات
    العامة أو حملات الدعاة، وهي حملات تفتقر إلى القوة والنظام، وكان منها
    حملة بطرس الناسك وهو رجل فصيح مهلهل الثياب حافي القدمين يركب حماراً
    أعرج جمع حوله من فرنسا حوالي 15 ألفاً، وفي طريقهم أحدثوا مذبحة في مدينة
    مجرية لخلاف على المؤن فقُتل أربعة آلاف، وانضمت إليهم عند القسطنطينية
    جموع والتر المفلس، ودخلت حشودهم الشاطئ الآسيوي، وحدثت معركة مع السلاجقة
    انتصر فيها السلاجقة وقتلوا من الصليبيين 22 ألفاً ولم يبق من الصليبيين
    سوى ثلاثة آلاف. أما حملتا فولكمار وأميخ فقد أقامتا مذابح لليهود في
    الطريق، وتشتت الحملتان في المجر!!.

    ثم كان ما يعرف بالحملة الصليبية
    الأولى وقد شارك فيها أمراء وفرسان أوروبيون محترفون وبدأت الحملة سيطرتها
    على مناطق المسلمين منذ صيف 1097م، وأسس الصليبيون إمارة الرها مارس 1098م
    بزعامة بلدوين البولوني. وحاصر الصليبيون أنطاكية تسعة أشهر وظهر من شجاعة
    صاحب أنطاكية باغيسيان «وجودة رأيه واحتياطه مالم يشاهد من غيره فهلك أكثر
    الفرنج ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام»، غير أن
    أحد الأرمن المستحفظين على أسوار المدينة راسله الصليبيون وبذلوا له
    «مالاً وإقطاعاً» ففتح للصليبيين الباب من البرج الذي يحرسه فاحتل
    الصليبيون المدينة، وأسسوا فيها إمارتهم الثانية 491هـ -3 يونيو 1098م،
    بزعامة بوهيمند النورماني.

    وفي الوقت الذي كان السلاجقة
    يتعرضون فيه للزحف الصليبي شمال بلاد الشام، استغل الفاطميون الفرصة
    فاحتلوا صور 1097م وسيطروا على بيت المقدس في شباط / فبراير 1098م أثناء
    حصار الصليبيين لأنطاكية، واستقل بطرابلس القاضي بن عمار أحد أتباع
    الفاطميين، بل أرسل الفاطميون للصليبيين أثناء حصارهم لأنطاكية سفارة
    للتحالف معهم وعرضوا عليهم قتال السلاجقة بحيث يكون القسم الشمالي «سوريا»
    للصليبيين وفلسطين للفاطميين، وأرسل الصليبيون وفداً إلى مصر ليدللوا على
    «حسن نيَّاتهم»!!، وهكذا... فأثناء انشغال السلاجقة بحرب الصليبيين كان
    الفاطميون منشغلين بتوسيع نفوذهم في فلسطين على حساب السلاجقة حتى إن
    حدودهم امتدت حتى نهر الكلب شمالاً ونهر الأردن شرقاً..!!

    وظهرت الخيانات وانكشف التخاذل من
    إمارات المدن التي حرصت كل منها على نفوذها و«كسب ود» الصليبيين أثناء
    توسعهم ومن ذلك ما حدث من اتصال صاحب إقليم شيزر بالصليبيين حيث تعهد بعدم
    اعتراضهم وتقديم ما يحتاجون من غذاء ومؤن بل وأرسل لهم دليلين ليرشداهم
    على الطريق!!، وقدمت لهم حمص الهدايا!! وعقدت معهم مصياف اتفاقية!!.. أما
    طرابلس فدفعت لهم الجزية، وأعانتهم بالأدلاء، ودفعت بيروت المال، وعرضت
    عليهم الدخول في الطاعة إذا نجحوا في احتلال بيت المقدس!!.

    تابع ريموند دي تولوز (أمير إقليم
    بروفانس وتولوز بفرنسا) قيادة بقية الصليبيين إلى بيت المقدس وكان عددهم
    ألف فارس وخمسة آلاف من المشاة فقط!! وفي ربيع 1099م دخلوا مناطق فلسطين
    فمروا بعكا التي قام حاكمها بتموين الصليبيين!! ثم قيسارية ثم أرسوف، ثم
    احتلوا الرملة واللد وبيت لحم، وفي 7 حزيران / يونيو 1099م بدأوا حصار بيت
    المقدس، وكان حاكمها قد نصبه الفاطميون ويدعى افتخار الدولة، وتم احتلالها
    في 15 يوليو 1099 لسبع بقين من شعبان 492هـ. ولبث الفرنج أسبوعاً يقتلون
    المسلمين... وقتلوا بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً منهم جماعة
    كثيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم وعبادهم(20). أما الدولة الفاطمية فقد
    واجهت الخبر ببرود، كما أن الدولة العباسية لم تحرك ساكناً!!

    تولى حكم بيت المقدس القائد الصليبي
    جود فري بوايون، وتسمى تواضعاً بحامي بيت المقدس، واستسلمت نابلس، وتم
    للصليبيين احتلال الخليل(21).

    ويقال إنه لم يبق من الصليبيين إلا
    ثلاثمائة فارس وألفين من المشاة ولم يستطيعوا توسيع سيطرتهم، ذلك أن
    كثيراً منهم عادوا إلى بلادهم بعد أن أوفوا قسمهم بالاستيلاء على بيت
    المقدس(22)، وبذلك أصبحت ممالك الصليبيين كالجزر وسط محيط من الأعداء، ومع
    ذلك كتب لها الاستمرار مائتي سنة حتى تم اقتلاع آخرها!! بسبب الإمدادات
    والحملات التي كانت تأتيهم بين فترة وأخرى، وبسبب ضعف المسلمين وتشرذمهم،
    وعدم استغلالهم لفرصة انسياب وانتشار الصليبيين على مساحات واسعة من الأرض
    بأعداد قليلة ليقضوا عليهم، ولكن المسلمين تأخروا حتى قويت شوكة الصليبيين
    وأصبح من الصعب اقتلاعها.

    وتتابع سقوط مدن فلسطين الأخرى، فقد
    كانت يافا قد سقطت أثناء حصار بيت المقدس على يد سفن جنوية في 15 يونيو
    1099م، وسيطر الصليبيون على شرق بحيرة طبرية (منطقة السواد) في مايو
    1100م، واستولوا على حيفا عنوة في شوال 494 هـ - أغسطس 1100م بمساعدة
    أسطول كبير من البندقية، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها، وملكوا
    قيسارية 17 مايو 1109م بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وذلك في 17
    مايو 1101م(23). وهكذا فرض الصليبيون هيمنتهم على فلسطين غير أن عسقلان
    ظلت عصية عليهم وكان المصريون (الفاطميون) يرسلون لها كل عام الذخائر
    والرجال والأموال، وكان الفرنج يقصدونها ويحاصرونها كل عام فلا يجدون لها
    سبيلاً، ولم تسقط عسقلان بأيدي الفرنج إلا في سنة 1153م-548هـ، وكان أهلها
    قد ردوا الفرنج مقهورين في ذلك العام، وعندما آيس الفرنج وهموا بالرحيل
    أتاهم خبرأن خلافاً وقع بين أهلها فصبروا. وكان سبب الخلاف أن أهلها لما
    عادوا قاهرين منصورين ادعى كل طائفة أن النصرة كانت من جهتها، فعظم الخصام
    بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل، واشتد الخطب وتفاقم الشر، ووقعت
    الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى!! فطمع الفرنج، وزحفوا إلى عسقلان وقاتلوا
    «فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه»(24)!! ترى... كم هي الهزائم التي تأتي من
    أنفسنا أو نصنعها بأنفسنا؟! {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}(25).

    وهكذا تأسست مملكة بيت المقدس
    الصليبية، ونشير استطراداً إلى تأسيس الفرنج لمملكة صليبية رابعة هي
    طرابلس في 11 ذي الحجة 503هـ -12 يوليو 1109م بعد حصار دام سبعة أعوام.


    استمرار الصراع (نظرة عامة)
    من الصعب أن ندخل في تفصيل الأحداث
    سنة بسنة وحادثاً بحادث، خصوصاً أن منهجنا يميل إلى الاختصار ووضع اليد
    على النقاط المهمّة الحساسة في سياق حديثنا عن التجربة التاريخية للحل
    الإسلامي على أرض فلسطين، غير أن استكمال الصورة ومعرفة مجمل الظروف في
    تلك الفترة يقتضي الإشارة إلى المعطيات التالية التي ظهرت خلال الثلاثين
    سنة التي تلت الاحتلال الصليبي لبيت المقدس:

    - كان عدد الصليبيين محدوداً وقد فرضوا هيمنتهم من خلال قلاع منتشرة كجزر معزولة في العديد من مناطق الشام.
    - استمر الصراع والنزاع بين
    المسلمين، واستعان بعضهم بالصليبيين على خصومهم، مما أضعف الموقف
    الإسلامي، وجعل الصليبيين يلعبون في بعض الأحيان دور الشرطي، ويستفيدون من
    ذلك في زيادة نفوذهم وتقوية شوكتهم.

    ومن ذلك الصراع بين طغتكين وبكتاش
    بن تتش على دمشق، حيث استعان بكتاش 498هـ بالفرنج على خصمه، ولحق به «كل
    من يريد الفساد»، غير أن ملك الفرنج لم يعطه سوى التحريض على الإفساد، ثم
    استقام الأمر لطغتكين(27). وعندما وقعت معركة بين الفاطميين والفرنج بين
    عسقلان ويافا سنة 498هـ ساعدت الفاطميين قوة من دمشق من 300 فارس وساعدت
    جماعة من المسلمين بقيادة بكتاش بن تتش الفرنج(28). وعندما جاء جيش
    السلطان من العراق سنة 509هـ إلى الشام لجهاد الصليبيين بقيادة برسق بن
    برسق خاف حكام دمشق وحلب على نفوذهم من أن يزول فتعاونوا بقيادة طغتكين مع
    فرنج أنطاكية ضد جيش السلطان. ثم ما لبث طغتكين نفسه أن قاتل فرنج بيت
    المقدس واستعاد رفنية بعد أن استولى الفرنج عليها(29)...، إنه القتال
    المرتبط بالمصلحة، فمرة يلبس ثوب الجهاد في سبيل الله، ومرة يلبس ثوب
    الدفاع عن «الحق» (الكرسي) تحت حجج الوراثة أو الكفاءة... حتى لو اقتضى
    ذلك التحالف مع الأعداء.

    - استمر جهاد المسلمين ضد الفرنج
    (الصليبيين) دون توقف، وإن كان هذا الجهاد قد افتقر إلى حسن الإعداد
    والتنظيم، كما تعدد القادة المسلمون الذين يأتون ويذهبون، كما تعددت محاور
    الصراع والاشتباك مع الفرنج في بلاد الشام، وافتقر المسلمون إلى قاعدة
    كبيرة قوية تكون منطلقاً دائماً للجهاد، وكثيراً ما كان القتال بين مدينة
    أو قلعة إسلامية -تحاول الدفاع عن نفسها أو توسيع نفوذها- وبين الفرنج.

    وتداول المسلمون والصليبيون النصر
    والهزيمة في المعارك، ولم يكن يمضي عام دون معارك وتبادلوا احتلال المدن
    والقلاع، ولم يكن من الصعب على المسلمين أن يدخلوا في وسط فلسطين ويخوضوا
    المعارك عند الرملة أو يافا أو غيرهما. غير أن الصليبيين ظلوا يحتفظون
    بنفوذهم وهيمنتهم في المناطق التي استولوا عليها.

    وظهر عدد من المجاهدين المسلمين
    الذين كانت قدراتهم محدودة ولم يتمكنوا من توحيد قوى المسلمين لجهاد
    الفرنج، غير أنهم حافظوا على جذوة الجهاد، وألحقوا بالفرنج خسائر كبيرة
    وأفقدوهم الاستقرار والأمان وقتلوا أو أسروا العديد من قادتهم
    وزعمائهم(30). فمثلاً كان بين معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش حرب،
    ولمّا حوصرت حرَّان من قبل الفرنج سنة 497هـ تراسلا وأعلم كل منهما الآخر
    أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فسارا واجتمعا بالخابور في عشرة آلاف من
    التركمان والترك والعرب والأكراد فالتقوا بالفرنج عند نهر البليخ، وهزم
    الفرنج فقتلهم المسلمون «كيف شاؤوا»، وأسر بردويل وفدى بخمسة وثلاثين
    ديناراً و 160 أسيراً من المسلمين وكان عدد قتلى الفرنج يقارب «12»
    ألفاً(31).

    وفي سنة 507 هـ اجتمع المسلمون من
    الموصل وسنجار ودمشق وقاتلوا الفرنج عند طبرية وانتصروا عليهم وأسروا
    ملكهم «بغدوين» دون أن يعرف فأخذ سلاحه وأطلق وكثر القتل والأسر في
    الفرنج. ثم جاء مدد من جند أنطاكية وطرابلس فقويت نفوس الفرنج وعادوا
    للحرب فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية وصعد الفرنج إلى جبل غربي طبرية
    ومكثوا 26 يوماً دون أن ينزلوا للقتال، فتركهم المسلمون وساروا إلى بيسان
    ونهبوا «بلاد الفرنج» بين عكا إلى القدس وخربوها، ورجع المسلمون. وعاد
    مودود بن التونتكين صاحب الموصل مع طغتكين إلى دمشق، وهناك في صحن المسجد
    في يوم الجمعة وثب عليه باطني فجرحه أربع جراحات وقُتل الباطني، وأبى
    مودود أن يموت إلا صائماً، وكان خيراً عادلاً كثير الخير. ويقال إن طغتكين
    هو الذي تآمر عليه. وكتب ملك الفرنج إلى طغتكين بعد قتل مودود كتاباً جاء
    فيه: «إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن
    يبيدها»(32)!!

    - المسلمون من سكان فلسطين الأصليين
    استمروا في سكنهم للبلاد التي احتلها الفرنج، ولكن قسماً منهم هجروها إلى
    شرق الأردن ودمشق، وأنفوا من التعاون مع الصليبيين. ولذلك تعطلت الزراعة
    في أكثر المدن الساحلية الفلسطينية. وقد عمل هؤلاء على محاربة الصليبيين
    وقدموا خدمات للمسلمين المهاجمين، وانضموا إلى كتائب المسلمين في بلاد
    الشام وساعدوهم كأدلاء في فلسطين، ويقول المؤرخ الصليبي وليم الصوري عنهم
    «إنهم علموا عدونا كيف يدمرنا لأنهم يملكون معلومات كافية عن حالتنا»(33).

    وكان من أبرز قادة المسلمين
    المجاهدين الأوائل أقسنقر البرسقي الذي ولاه السلطان محمد سنة 508هـ
    الموصل وأعمالها وأمره بقتال الفرنج، وخاض أقسنقر المعارك ضد الصليبيين في
    شمال الشام، ودخلت -بالإضافة إلى الموصل والجزيرة وسنجار- مدينة حلب سنة
    518هـ تحت زعامته فتوسعت جبهته المعادية للصليبيين، غير أنه قُتل رحمه
    الله سنة 520هـ على يد الباطنية في الموصل وكان أقسنقر مملوكاً تركياً
    خيراً يحب أهل العلم والصالحين، ويرى العدل ويفعله، وكان من خير الولاة،
    يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويقوم الليل(34).

    - الدولة الفاطمية في مصر بقيادة
    وزيرها الأفضل بدر الجمالي أرسلت حملات عديدة إلى فلسطين وحاولت الدفاع عن
    مناطق نفوذها على الساحل، غير أن حملاتها لم تكن بمستوى ما تزخر به مصر من
    قدرات وإمكانات، ويظهر أن حملاتها اتخذت طابعاً استعراضياً، وافتقرت إلى
    التنسيق الجاد مع القوى الإسلامية في الشام(35). وكان الحكم الفاطمي قد
    افتقد مصداقيته الجهادية الإسلامية عندما راسل الفرنج وهم يزحفون باتجاه
    بيت المقدس عارضاً التحالف ضد السلاجقة وتقاسم النفوذ في الشام. ومهما
    يكن، فإن الدولة الفاطمية كانت في طور الأفول، وكانت تعاني من عوامل الضعف
    والانهيار.


    جهاد عماد الدين زنكي 521 - 541هـ
    انفتحت صفحة جديدة لجهاد الصليبيين
    بظهور عماد الدين زنكي بن أقسنقر وبدء عهد الدولة الزنكية في الموصل وحلب،
    فقد تولى عماد الدين زنكي أمر ولاية الموصل وأعمالها سنة 521هـ بعد أن
    ظهرت كفاءته في حكم البصرة وواسط وتولَّى شحنكية العراق(36)، وفي محرم سنة
    522هـ تمت له السيطرة على حلب. وأخذ عماد الدين يخوض المعارك تلو المعارك
    ويحقق الانتصارات على الصليبيين، وعلق ابن الأثير بعد أن تحدث عن انتصار
    عماد الدين على الفرنج في معركة كبيرة وملكه حصن الأثارب وحصاره حارم سنة
    524هـ... «وضعفت قوى الكافرين، وعلموا أن البلاد قد جاءها مالم يكن لهم في
    حساب، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك
    الجميع»(37).

    واستمرت جهود زنكي في توحيد قوى
    المسلمين في غزو الصليبيين، فملك زنكي حماة وحمص وبعلبك، وسرجي، ودارا،
    والمعرة، وكفر طاب، وقلعة الصور في ديار بكر، وقلاع الأكراد الحميدية،
    وقلعة بعرين، وشهرزور، والحديثة، وقلعة أشب وغيرها من الأكراد
    الهكارية(38).. . وفي سنة 534هـ حاول زنكي الاستيلاء على دمشق مرتين دون
    جدوى، فقد كانت دمشق المفتاح الحقيقي لاسترداد فلسطين من جهة الشام، غير
    أن القائم بأمر الحكم هناك معين الدين أنز راسل الصليبيين للتحالف ضد زنكي
    ووعدهم أن يحاصر بانياس ويسلمها لهم ووافقوا، ولكن زنكي ذهب إليهم قبل
    قدومهم لدمشق فلما سمعوا ذلك لم يخرجوا. ومع ذلك فإن معين الدين حاصر
    بانياس بمساعدة جماعة من الفرنج ثم استولى علىها وسلمها للفرنج(39)!!

    غير أن أشهر ما يذكر من الفتوح
    لزنكي هو فتحه للرها وإسقاطه للمملكة الصليبية التي قامت بها، فقد حاصرها
    أربعة أسابيع وفتحها عنوة في 6 جمادى الآخرة 539هـ، وفتح ما يتبع هذه
    المملكة من أعمال في منطقة الجزيرة، وفتح سروج وسائر الأماكن التي كانت
    للفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة(40).

    قتل عماد الدين زنكي -بعد أن حمل
    راية الجهاد أكثر من عشرين عاماً- في منتصف سبتمبر 1146م- 5 ربيع الأول
    541هـ غدراً على يد جماعة من مماليكه بينما كان يحاصر قلعة جعبر(40)، وكان
    عمره زاد عن ستين سنة وعلى ما ذكر ابن الأثير فقد كان زنكي شديد الهيبة في
    عسكره ورعيته، عظيم السياسة، لا يقدر القوي على ظلم الضعيف، وكانت البلاد
    قبل أن يملكها خراباً من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج، فعمّرها
    وامتلأت أهلاً وسكاناً «وكان زنكي من خيار الملوك وأحسنهم سيرة وشكلاً،
    وكان شجاعاً مقداماً حازماً، خضعت له ملوك الأطراف، وكان من أشد الناس
    غيرة على نساء الرعية، وأجود الملوك معاملة، وأرفقهم بالعامة»(43). واشتهر
    عماد الدين بعد مقتله بلقب «الشهيد».

    لقد عمل عماد الدين زنكي في أجواء
    صعبة من نزاع بين أمراء وزعماء السلاجقة أنفسهم، وبينهم وبين الخليفة
    العباسي في أحيان أخرى، ومن أجواء الحكم الوراثي، ونزعة الكثيرين للسيطرة
    والزعامة حتى ولو على مدينة أو قلعة واحدة، كما عاش فترة كانت القوى
    الصليبية لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية. ومع ذلك فقد استطاع عماد
    الدين أن يضع الأسس لقاعدة انطلاق جهادية كبيرة وقوية تمتد من شمال الشام
    إلى شمال العراق، كما كسر شوكة الصليبيين في مواقع كثيرة، ويسر سبل الجهاد
    والعمل الجاد لتحرير الأرض، وقدم نموذجاً للحاكم والمجاهد تحت راية
    الإسلام، وقوى الأمل باسترجاع المقدسات. غير أن أفضل أثر تركه -على ما
    يظهر لنا- هو ابنه نور الدين محمود.

    جهاد نور الدين محمود 541هـ-569هـ
    بعد استشهاد زنكي، وحسب الأعراف
    الوراثية في ذلك الزمان، انقسمت دولته بين ابنيه: نور الدين محمود الذي
    تولى حلب وما يتبعها وسيف الدين غازي الذي تولى الموصل وما يتبعها.

    ولد نور الدين محمود -بعد حوالي
    عشرين عاماً من سقوط القدس في أيدي الصليبيين- في 17 شوال 511هـ -فبراير
    1118م، وكان أسمر طويل القامة، حسن الصورة، ذا لحية خفيفة، وعليه هيبة
    ووقار. تزوج سنة 541هـ من ابنة معين الدين أنز ورزق ببنت وولدين، وتوفي
    رحمه الله في 11 شوال 569هـ-15 مايو 1174م(44).

    وبحكم نور الدين انفتحت صفحة جديدة
    رائعة من صفحات الجهاد الإسلامي في بلاد الشام، وطوال 28 عاماً من حكم نور
    الدين كان واضحاً في ذهنه هدفه الأساسي في تحرير واسترداد بلاد المسلمين،
    وتوحيدها تحت راية الإسلام.

    ومنذ تلك اللحظة أخذ يبذل الأسباب
    ويعد العدة والعتاد ويوحد جهود المسلمين ويرتقي بهم في جوانب الحياة
    المختلفة وذلك وفق تصور إسلامي متكامل لإعادة أمجاد المسلمين وطرد
    الاحتلال الصليبي من بلادهم...

    ودخل المعركة وفق فهم إسلامي شامل سليم يؤكد على عقائدية المعركة مع الصليبيين فهي صراع بين حق وباطل وبين إسلام وكفر.
    - وأن المعركة تعني كل المسلمين دون نظر إلى قوميات وعصبيات وجنسيات.
    - وأنه لا سلام نهائي حتى يسترجع المسلمون كل شبر من أراضيهم.
    - وأنه لا بد من الإعداد المتكامل للأمة -حتى تكون على مستوى الجهاد- إيمانياً وثقافياً وتربوياً واجتماعياً وجهادياً وعسكرياً.
    - وأنه لا بد من توحيد الجهود تحت راية الإسلام في مواجهة العدو الصليبي.

    معالم النهضة الإسلامية
    وفي سبيل ذلك قام نور الدين محمود بإحياء نهضة إسلامية أكدت على تكامل الحل الإسلامي، وقد تم التعبير عنها من خلال:
    1- القيادة الإسلامية الصادقة
    وتمثلت في شخصه وأشخاص من حوله من
    القادة والمسؤولين والعلماء. فقد كان للتكوين النفسي والشخصية المميزة
    لنور الدين محمود أثرهما الكبير في وجود قيادة إسلامية واعية، جادة،
    مجاهدة.

    قال ابن الأثير: «طالعت تواريخ
    الملوك المتقدمين قبل الإسلام، وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء
    الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين»(45).
    فلقد كان «ذكياً، ألمعياً، فطناً، لا تشتبه عليه الأحوال، ولا يتبهرج عليه
    الرجال»، ولم يتقدم لديه إلا ذوو الفضل، والقدرة على الإنجاز الأمين
    المسؤول للعمل، ولم ينظر في تقديمه للرجال إلى المكانة الاجتماعية أو
    للجنس والبلد(46).

    كما عرف نور الدين بتقواه وورعه فقد
    كان حريصاً على أداء السنن وقيام الليل بالأسحار. فكان ينام بعد صلاة
    العشاء ثم يستيقظ في منتصف الليل فيصلي ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن
    الفجر. كما كان كثير الصيام(47).

    وتميز بفقهه وعلمه الواسع فلقد تشبه
    بالعلماء واقتدى بسيرة السلف الصالح، وكان عالماً بالمذهب الحنفي، وحصل
    على الإجازة في رواية الأحاديث وألف كتاباً عن الجهاد(48).

    وكان ذا طبيعة جادة، كما رزقه الله
    قوة الشخصية فكان «مهيباً مخوفاً مع لينه ورحمته» ومجلسه «لا يذكر فيه إلا
    العلم والدين والمشورة في الجهاد» «ولم يسمع منه كلمة فحش قط في غضب ولا
    رضى صموتاً وقوراً»(49).

    وكان زاهداً متواضعاً فقد «كان أدنى
    الفقراء في زمانه أعلى نفقة منه من غير اكتناز، ولا استئثار بالدنيا»،
    وعندما شكت زوجته الضائقة المادية أعطاها ثلاثة دكاكين له بحمص وقال «ليس
    لي إلا هذا، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه، ولا أخوض
    في نار جهنم لأجلك»(50).

    قال له الشيخ الفقيه قطب الدين
    النيسابوري يوماً «بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام، فإن أصبت في
    معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف». فقال له نور الدين «يا
    قطب الدين!! ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلي من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك
    الله الذي لا إله إلا هو»(51).

    وعلى اتساع نفوذه وسلطانه جاءه
    التشريف من الخلافة العباسية وتضمن قائمة بألقابه التي يذكر بها على منابر
    بغداد تقول «اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد
    العابد الورع المجاهد المرابط المثاغر نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه
    قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها، رضي الإمامة وأثيرها، فخر
    الملة ومجدها شمس المعالي وملكها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محي
    العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين»!!
    فأوقف هذا كله واكتفى بدعاء واحد هو «اللهم وأصلح عبدك الفقير محمود بن
    زنكي»(52).

    وعرف باتساع شعبيته وحب الناس له
    حتى في البلاد التي لا يحكمها، وكان يستشعر إحساساً عظيماً بالمسؤولية
    تجاه الزمن أن يضيع وتجاه الدم المسلم أن يراق والكرامة الإسلامية أن تهدر
    والأرض الإسلامية أن تستباح فكان يصل في عمله الليل بالنهار. وكان لا يهمل
    أمراً من أمور رعيته(53).

    وحباه الله تكويناً عسكرياً فذاً حمل من خلاله تكاليف الجهاد الشاقة 28 عاماً بنفسية جهادية صادقة(54).
    2- التزام أحكام الإسلام وتطبيقها
    حرص على تطبيق أحكام الإسلام على
    الجميع، وكان قدوة في الالتزام بها، وطبقها على مسؤولي الدولة وقادتها،
    وكما حرص على رد الحقوق إلى أصحاب المظالم وكان يقول «حرام على كل من
    صحبني أن لا يرفع قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ»، وفي توحيده لبلاد
    المسلمين كان يحرص على عدم إراقة دماء المسلمين ولذلك كان ذا صبر وحكمة
    وتأن في ذلك، لقد كان رحمه الله يحفظ الشريعة المطهرة ويقف عند
    أحكامها(55).

    ورغم اضطراره للاصطدام بالعديد من
    زعماء المدن والقلاع المسلمين في سعيه لتحقيق الوحدة أو لتحالفهم مع
    الفرنج...، إلا أن دم المسلم كان عنده عظيماً، وكان «لا يقصد ولاية أحد من
    المسلمين إلا لضرورة، إما ليستعين على قتال الفرنج أو للخوف عليها
    منهم»(56). وعندما تحالف حكام دمشق مع الصليبيين سنة 544هـ جاهد الصليبيين
    دون إيذاء المسلمين وضياعهم، وقال «لا حاجة لقتل المسلمين بعضهم بعضاً
    وأنا أرفههم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين». لقد شاهد الدماشقة
    حرمته حتى تمنوه، ودعوا الله أن يكون ملكهم(57).

    وعندما رفع عليه أحدهم قضية إلى
    القاضي، استدعاه القاضي فقال: السمع والطاعة «إنما كان قول المؤمنين إذا
    دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا»، إني جئت ها
    هنا امتثالاً لأمر الشرع». وفي مرة أخرى دعي للقضاء فاستجاب ولما ثبت أن
    الحق مع نور الدين وهب لخصمه ما ادعاه عليه(58).

    لقد ألغى رحمه الله الضرائب التي
    تزيد عن الحد الشرعي رغم ما كانت تدر من دخل كبير على ميزانية الدولة ورغم
    ما يمكن تبرير وجودها -عند البعض- بظروف البلاد والحرب(59). وكان يقول
    «نحن نحفظ الطريق من لص وقاطع طريق... أفلا نحفظ الدين ونمنع ما
    يناقضه»(60). وكان أشهى شئ عنده كلمة حق يسمعها أو إرشاد إلى سنة
    يتبعها(161).

    3- البناء الإيماني والتربوي والثقافي
    وفي هذا المجال استقدم العلماء
    العاملين وأفسح لهم مجال العمل والدعوة، وسعى في بناء المدارس والمساجد
    وأوقف عليها الأوقاف، وحارب البدع والأضاليل... فانتشر نور الإيمان والعلم
    بين الرعية. وأحيا سمت احترام العلماء وتوقيرهم فرغم أن الأمراء والقادة
    لم يكونوا يجرؤون على الجلوس في مجلسه دون أمره وإذنه... فإنه كان إذا دخل
    العالم الفقيه أو الرجل الصالح قام هو إليه وأجلسه وأقبل عليه مظهراً كل
    احترام وتوقير(62). وكان يقول عن العلماء إنهم «هم جند الله وبدعائهم
    نُنصَر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم فإن رضوا منا
    ببعض حقهم فلهم المنة علينا»(63). لقد كانت بلاد الشام خالية من العلم
    وأهله، وفي زمانه صارت مقراً للعلماء والفقهاء والصوفية(64). وكان يسمع
    نصيحة العلماء ويجلها ويقول «إن البلخي إذا قال لي: محمود، قامت كل شعرة
    في جسدي هيبة له ويرقُّ قلبي»(65).

    4- الإعمار والبناء الحضاري والاجتماعي:
    عرف نور الدين بشخصيته التي تهتم
    بأحوال المسلمين وتحيي معاني التكافل والتعاون والتضامن بينهم وترفع عنهم
    معاناتهم وأحوالهم الصعبة... فلقد عمل على كفالة الأيتام وتزويج الأرامل
    وإغناء الفقراء وبناء المستشفيات والملاجئ ودور الأيتام والأسواق
    والحمامات والطرق العامة، وتوطين البدو وإقطاعهم الأراضي حتى لا يؤذوا
    الحجاج. لقد ارتقى بالخدمات التي تقدم للمسلمين فأحبه الشعب وأصبحت صلته
    بالشعب متينة قوية...، وسرت هذه النفسية البناءة المحبة للخير إلى نفوس
    رجاله فأصبحوا يتسابقون في خدمة الناس وبناء المدارس والمستشفيات
    والملاجيء ووسائل الخدمات المختلفة(66).




    http://www.mathtaj.co.cc/vb
    تاج الرياضيات
    تعليمى شامل
    avatar
    الداعى لله ورسوله
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 736
    الدولة : مصر
    النوع : ذكر
    نقاط : 4539
    تاريخ التسجيل : 20/08/2009
      : أذكر ربك
    رسالتى : نحن قوم أعزنا الله بالاسلام فإذا ارتضينا العزة بغيره أذلنا الله

    أصلح النية
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
    إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى
    رواه البخارى ومسلم

    رد: فلسطين في التاريخ الإسلامي

    مُساهمة من طرف الداعى لله ورسوله في الأحد سبتمبر 13, 2009 5:46 pm

    5- البناء الاقتصادي:
    رتب نور الدين ديوان الزكاة في عهده
    ونظم جبايتها وتوزيعها وفق الأسس الشرعية، وشجع التجارة بتأمين طرق
    المواصلات ورفع الضرائب التي تثقل حركة التجارة، وسعى في كل ما يقوي
    الدولة ويدعم بنيانها الاقتصادي(67).

    6- البناء الجهادي العسكري:
    فلقد سعى في إحياء المعاني الجهادية
    في النفوس وتربية الأمة على معانيها وتكريس عزة المسلمين ومنعتهم وقوتهم،
    وبذل الجهد في توفير العدة والعتاد واختيار القادة المناسبين، وحماية
    المدن وبناء الأسوار والحفاظ على أرواح المسلمين، وتميز بحزمه وقوته في
    ذلك وكان رده عنيفاً جداً على الأعداء إذا انتهكت حرمات المسلمين، ومن ذلك
    أنه لم يكد يمر على استلامه للحكم شهر واحد حتى هاجم الصليبيون الرها
    ظانين أن الحاكم الجديد ضعيف ولكن نور الدين هاجم الصليبيين وقتل ثلاثة
    أرباع جيشهم الذي هربت فلوله وقد عرفت من يكون هذا القائد الجديد، وحصل
    مرة أن هاجم الصليبيون نور الدين وجزءاً من جيشه على حين غفلة فأقسم نور
    الدين أن لا يستظل بسقف حتى ينتقم للإسلام وكان انتقامه رهيباً في معركة
    حارم إذ قتل منهم الآلاف(68).

    حتى الرياضة استفاد منها في مجال
    الإعداد الجهادي فلقد كانت الحرب تجري في ذلك العصر على الخيول... ولبناء
    هذه المهارة في التحكم بالخيول وحركتها كان يلعب بمهارة كبيرة لعبة الكرة
    من فوق الخيول (البولو)(69)!!

    لقد حرص على تعبئة طاقات الأمة
    للجهاد... وهو في بذله لأسبابه لم ينس دعاء الضعفاء والعجائز والمحتاجين
    فكان يحسن إليهم ويذكر أنه ربما ينتصر ببركة دعائهم.

    بهذا البناء المتكامل والإعداد
    الجاد المتزن دخل نور الدين مرحلة التغيير الجذري على الساحة السياسية
    ليحقق أمرين سار بهما في اتجاهين متوازيين هما:-

    - تحقيق الوحدة الإسلامية وتعبئة قواها في بوتقة واحدة.
    - تحطيم القوى الصليبية تدريجياً:
    بإضعاف هيبتها، وإنهاك قواها، والتحرير التدريجي لأرض المسلمين الواقعة
    تحت سيطرتها... وذلك بانتظار استكمال الوحدة الإسلامية لتحقيق نصر حاسم
    ونهائي على هذه القوى الصليبية.

    أولاً: جهود الوحدة الإسلامية:
    ولقد حرص نور الدين على تحقيقها
    بقدر كبير من الصبر والحكمة والأناة وحرص شديد على عدم إراقة دماء
    المسلمين، وقد حرص على استمالة القوى الإسلامية المتعددة في الشمال وشمال
    العراق وكسب صداقتها، كما كان يكشف بطريقة عاقلة واعية حقيقة أولئك
    الزعماء والحكام -الذين يقفون حجر عثرة أمام الوحدة الإسلامية- أمام
    رعيتهم، وكان الناس يقارنون بين جهاده وبين تخاذل حكامهم، وبين إصلاحاته
    وبين إفساد حكامهم، وبين ولائه لله سبحانه ولرسوله وللمؤمنين وبين ولاء
    حكامهم لمصالحهم وشهواتهم وللصليبيين!!، فأخذ الناس يتمنون حكمه عليهم....
    ولذلك فقد وجد كل ترحيب شعبي عند انضمام أي من بلاد المسلمين إليه.

    ضم نور الدين حمص إليه سنة 544هـ
    -1149م، غير أنه كان يتوق لضم دمشق التي كانت تقف بينه وبين الصليبيين في
    فلسطين، وكان الحكم في دمشق يسعى بالدرجة الأولى للحفاظ على نفسه فمرة
    يجاهد الفرنج، ومرة يصانعهم ويهادنهم، ومرة يتحالف معهم إذا خاف من قوة
    إسلامية ما. ووفق تخطيط متأنٍ يهدف إلى السيطرة على دمشق دون إراقة
    الدماء، وإلى كسب أهل دمشق إلى صفه، وإلى منع نظام الحكم من الاستعانة
    بالفرنج عليه إذا قصدهم، استطاع نور الدين أن يفتح دمشق في صفر 549-25
    إبريل 1154م، وقد جاء هذا الفتح بعد أن توفي معين الدين أنز 1149م، وبعد
    أن ضعف الحكم بدمشق، ووقع تحت النفوذ الصليبي الذي فرض الإتاوات على دمشق
    وكانت رسلهم تدخل البل ويأخذونها منهم(70).

    وتوالت سيطرة نور الدين على مدن
    وقلاع الشام حتى خضعت معظمها له، غير أنه كان يدرك أن السبيل الفعال
    لتحرير فلسطين واقتلاع الحكم الصليبي منها لا يكون إلا بالسيطرة على مصر
    ودخولها ضم الن الجبهة الإسلامية المتحدة، ووضع الصليبيين بين فكي الكماشة.

    وقد جاءت الفرصة لنور الدين
    بالسيطرة على مصر عندما استعان أحد المتنافسين على الوزارة واسمه شاور
    بنور الدين على غريمه ضرغام سنة 559هـ، وعرض على نور الدين ثلث دخل البلاد
    بعد إقطاعات العساكر ويكون قائده الذي يرسله مقيماً بمصر، ويتصرف بأمر نور
    الدين. أرسل نورُ الدين أسدَ الدين شيركوه الذي هزم ضرغام وقتله، ولكن
    شاور غدر بشيركوه واستعان بالفرنج لإخراجه، فجاؤوا وحاصروا شيركوه ورفاقه
    في بلبيس ثلاثة أشهر حتى جاءتهم أخبار انتصارات نور الدين وملكه (حارم)
    فعرضوا الصلح والعودة إلى الشام فوافق ولم يكن يعلم ما فعله نور الدين
    بالشام(71).

    واشتد التنافس بين نور الدين وبين
    الصليبيين على مصر، وخصوصاً أن الدولة الفاطمية كانت في ضعف شديد وفي طور
    الاحتضار. فأرسل نور الدين أسدَ الدين شيركوه إلى مصر في ألفي فارس في
    حملة ثانية في ربيع الآخر 562هـ، واستطاع هزيمة الفرنج وجيش مصر بالصعيد،
    وملك الإسكندرية بمساعدة أهلها وذهب للصعيد فملكه، غير أنه اضطر للعودة
    إلى دمشق في ذي القعدة بعد أن اشترط على الفرنج ألا يأخذوا ولو قرية واحدة
    من مصر فوافقوا(72).

    وتمت السيطرة لنور الدين على مصر في
    الحملة الثالثة التي قادها أيضاً أسد الدين شيركوه في ربيع الأول 564هـ،
    ففي ذلك الوقت كان الفرنج بسبب تحالف (شاور) معهم قد تمكنوا من البلاد
    المصرية وأصبح لهم نفوذ كبير، وتسلموا أبواب القاهرة وجعلوا لهم فيها
    جماعة من شجعانهم وأعيان فرسانهم «وحكموا على المسلمين حكماً جائراً
    وركبوهم بالأذى العظيم» وطمع الفرنج بملك مصر فجاءت حملة بقيادة ملك بيت
    المقدس احتلت بلبيس عنوة فقتلت وأسرت ثم حاصرت القاهرة، وأرسل الخليفة
    العاضد إلى نور الدين يستغيثه وأرسل في الكتب شعور النساء وقال هذه شعور
    (جمع شَعْر) نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج. فأرسل نور الدين
    حملته الثالثة فلما قارب أسد الدين مصر خرج الفرنج خائبين، وانتهت الحملة
    بسيطرة أسد الدين على مصر وقتل الوزير شاور، وتولى أسد الدين الوزارة
    مكانه في يناير 1169م في 17 ربيع الآخر 564هـ، غير أن أسد الدين توفي بعد
    شهرين في 22 جمادى الآخرة فولي صلاح الدين يوسف الأيوبي الوزارة مكانه(73).

    وبأمر من نور الدين أسقط صلاح الدين
    الخلافة الفاطمية، وتمت الخطبة للخليفة العباسي المستضيء في ثاني جمعة من
    محرم 567 هـ-10 سبتمبر 1171م «فلم ينتطح في ذلك عنزان»، ومات الخليفة
    الفاطمي العاضد في 10 محرم دون أن يعلم بذلك(74). وهكذا، ضمت مصر اسمياً
    للخلافة العباسية وأصبحت تحت القيادة الفعلية لنور الدين.

    وفي 566هـ -1170م ضم نور الدين
    الموصل والمناطق التي تتبعها إلى حكمه(75)، كما ضم نور الدين اليمن إلى
    حكمه سنة 569هـ-1173 عندما أذن لصلاح الدين بفتحها فأرسل إليها أخاه توران
    شاه بن أيوب حيث تمت له السيطرة عليها(76)، وبذلك امتدت الجبهة الإسلامية
    المتحدة من العراق إلى الشام فمصر واليمن مما أنذر بقرب القضاء على
    الصليبيين.

    ثانياً: تحطيم القوى الصليبية:
    خلال فترة حكمه التي امتدت من
    1146-1174م لم تتوقف المعارك وحروب الجهاد بين نور الدين والصليبيين، وفي
    الوقت الذي كان يدعم فيه حكمه ويوحد جهود المسلمين كان يقوم بالاستيلاء
    التدريجي على الممالك الصليبية ويضعف قوتها يوماً بعد يوم وهو يعد للمعركة
    الفاصلة معهم، وخلال تلك الفترة استطاع نور الدين في جهاده الإسلامي
    استرجاع وتحرير حوالي 50 مدينة وقلعة مما كان تحت سيطرة الصليبيين.

    فمنذ بداية حكمه أحكم السيطرة على
    منطقة الرها وصفَّى الأملاك التي كانت تتبعها (تل باشر، سميساط، قلعة
    الروم، دلوك، الراوندان، قورس، مرعش، إعزاز، عينتاب، البيرة...) وذلك خلال
    الفترة بين 1146 - 1151م.

    كما استعاد وحرر جميع الأراضي التي
    كانت تتبع إمارة أنطاكية شرقي نهر العاصي (1147- 1149م) وقتل في أحد
    معاركها (أنب 29/يوليو/1149) أمير أنطاكية ريموند، وزعيم الباطنية
    المتعامل معهم ضد المسلمين علي بن وفا. وقام بدور أساسي في تحطيم الحملة
    الصليبية الثانية (1147-1148) التي شارك فيها ملك فرنسا لويس السابع
    وإمبراطور ألمانيا كونراد الثالث والتي تعتبر نقطة تحول خطيرة في تاريخ
    الحروب الصليبية حيث كسرت هيبة الصليبيين ورفعت الروح المعنوية لدى
    المسلمين(77).

    واستمرت الحروب سجالاً، ووقعت
    العديد من المعارك الهامة، أدت إلى إضعاف النفوذ الصليبي وضم مناطق جديدة
    لنور الدين على حساب الصليبيين.. حتى أحكم نور الدين إحاطة مملكة بيت
    المقدس الصليبية. ولا يتسع المجال لذكر المعارك والوقائع كلها ولكنا نكتفي
    بالإشارة إلى إحداها وهي التي وقعت عند تل حارم في رمضان 559هـ- 11 أغسطس
    1164م.

    ففي سنة 558هـ كان نور الدين قد
    انهزم من الفرنج تحت حصن الأكراد، وهي المعركة التي عرفت بـ «البقيعة»،
    حيث كبسهم الفرنج فجأة وأكثروا فيهم القتل والأسر، ونجا نور الدين في
    اللحظة الحاسمة وهرب، ونزل قرب حمص وهناك أقسم «والله لا أستظل بسقف حتى
    آخذ بثأري وثأر الإسلام» ثم أرسل إلى حلب ودمشق وأحضر الأموال والثياب
    والخيل والسلاح فأعطى الناس عوض ما أخذ منهم جميعه وعاد العسكر «كأن لم
    تصبه هزيمة»(78).

    ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة
    خروجه للجهاد وإنفاقه عليه قال له بعضهم «إن لك في بلادك إدرارات وصدقات
    كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فلو استعنت بها في هذا الوقت
    لكان أصلح، فغضب من ذلك وقال «والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنّما
    ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على
    فراشي بسهام لا تخطئ وأصرفها على من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد
    تصيب وقد تخطئ، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه
    غيرهم»؟!(79)

    وعرض الفرنج الصلح، لكن نور الدين
    رفض.واجتمع جيشا المسلمين والفرنج بعد أن حشدا حشوداً ضخمة عند حارم.
    وقبيل القتال انفرد نور الدين بنفسه تحت تل حارم وسجد لله ومرَّغ وجهه
    وتضرع «يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر
    أولياءك على أعدائك»... «إيش فضول محمود في الوسط»!!.. وقال «اللهم انصر
    دينك ولا تنصر محموداً. من محمود الكلب حتى يُنصر»؟!! يحقر نفسه ويتذلل
    إلى الله سبحانه(80).

    والتحم الفريقان في 11 أغسطس 1164،
    وانكشفت المعركة الكبرى عن كارثة هائلة حلت بالصليبيين إذ قتل منهم عشرة
    آلاف وأسر عشرة آلاف أو أكثر، وكان من بين الأسرى أمير أنطاكية وأمير
    طرابلس وحاكم قيليقية البيزنطي وأسر جميع الأمراء عدا أمير الأرمن. وفي
    اليوم التالي استولى نور الدين على حارم...، وكان ذلك فتحاً كبيراً(81).

    وفي عام 1173م-569هـ كان نور الدين
    قد أعد عدته للهجوم النهائي على بيت المقدس وتحرير أرض الإسراء من النفوذ
    الصليبي حتى إنه قد جهز منبراً جديداً رائعاً للمسجد الأقصى يوضع فيه بعد
    الانتصار على الصليبيين بإذن الله، وراسل في ذلك عامله على مصر صلاح الدين
    الذي تلكأ بسبب الظروف الخاصة التي تواجهه في مصر والتي يرى أنها تحتاج
    إلى صبر وأناة وإعداد. ولم يرض نور الدين بذلك التأخر فقرر الذهاب إلى مصر
    وترتيب أمورها بنفسه إلا أن المنيَّة عاجلته، فتوفي رحمه الله في
    15/مايو/1174م الموافق 11 من شوال 570هـ(82).

    وهكذا انطوت صفحة رائعة من صفحات
    الجهاد أيام الحروب الصليبية إلا أن الصفحة التي تلتها كانت مشرقة ومؤثرة
    في مسار التاريخ تلك هي صفحة صلاح الدين الأيوبي.


    جهاد صلاح الدين الأيوبي 569-589هـ
    رفع الراية -من بعد نور الدين
    محمود- صلاح الدين الأيوبي وقد سار على خطى سلفه نور الدين، فقد ترسم
    المنهج الإسلامي والحل الإسلامي في تحطيم القوى الصليبية وتحرير الأرض
    المقدسة.

    جاء صلاح الدين وقد وجد أن نور
    الدين قد هيأ الظروف المناسبة لاسترداد الأرض المقدسة فاستغلها أحسن
    استغلال وقطف ثمارها اليانعة بعد سنوات من حكمه.

    ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب 532هـ
    - 1137م بقلعة تكريت وكان أبوه والياً عليها، دخل هو وأبوه وعمه في خدمة
    نور الدين محمود، وشارك عمه أسد الدين شيركوه في حملاته الثلاث على مصر،
    وولي الوزارة في مصر وعمره 32 سنة.

    يوصف صلاح الدين بأنه كان حسن
    العقيدة، كثير الذكر، شديد المواظبة على صلاة الجماعة، ويواظب على السنة
    والنوافل، ويقوم الليل. وكان يحب سماع القرآن وينتقي إمامه، وكان رقيق
    القلب خاشع الدمعة إذا سمع القرآن دمعت عيناه، شديد الرغبة في سماع
    الحديث، كثير التعظيم لشعائر الله. وكان حسن الظن بالله .كثير الاعتماد
    عليه عظيم الإنابة إليه.

    وكان صلاح الدين عادلاً رؤوفاً
    رحيماً ناصراً للضعيف على القوي، وكان كريماً. وكان حسن العشرة، لطيف
    الأخلاق، طاهر المجلس لا يذكر أحد بين يديه إلابخير، طاهر السمع...، طاهر
    اللسان، طاهر القلم فما كتب إيذاء لمسلم قط.

    وكان شجاعاً شديد البأس والمواظبة
    على الجهاد عالي الهمة، قال يوماً وهو قرب عكا «في نفسي أنه متى ما يسر
    الله تعالى فتح بقية السواحل قسمت البلاد، وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر
    إلى جزائرهم أتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو
    أموت».

    ومات صلاح الدين ولم يكن لديه من
    الأموال ما تجب فيه الزكاة، واستنفدت صدقة النفل جميع ما ملكه، ولم يخلف
    في خزائنه من الفضة والذهب إلا 47 درهماً ناصرية، وديناراً واحداً ذهباً،
    ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا مزرعة... عزم على الحج في السنة
    التي توفي فيها ولكنه تعوق بسبب ضيق ذات اليد وضيق الوقت(83).

    صراع على خلافة نور الدين:
    لما مات نور الدين بويع لابنه من
    بعده بالملك وهو الصالح إسماعيل، وكان صغيراً في الحادية عشرة من عمره،
    وجُعل أتابكه شمس الدين بن المقدم... «فاختلف الأمراء وحادت الآراء وظهرت
    الشرور وكثرت الخمور.... وانتشرت الفواحش... وطمعت الأعداء من كل جانب في
    المسلمين»(84) وعندما هاجم الفرنج المسلمين واجههم ابن المقدم عند بانياس
    لكنه ضعف عن مقاومتهم، فبذل لهم أموالاً جزيلة وهادنهم، كما خرجت أرض
    الجزيرة من ملك الصالح إسماعيل، كما استبعد الأمراء المتحكمون في الصالح
    بني الداية وسجنوهم وهم من أقرب الأمراء المقربين إلى نور الدين (شمس
    الدين بن الداية ومجد الدين بن الداية رضيع نور الدين...) وكان كل ما سبق
    سبباً في غضب صلاح الدين على الأمراء المتحكمين في الملك الصالح، بل
    واعتبر نفسه أحق الناس بالإشراف على تربية وخدمة الملك الصالح(85).

    وهكذا فتحت أنظمة الحكم الوراثي،
    وانعدام المؤسسات «الدستورية» الشورية، والتنازع على السلطة وحب
    الرئاسة...، فتحت المجال أمام مرحلة جديدة من الصراع والخلاف بين المسلمين
    أخرت المعركة الفاصلة التي كان يعد لها نور الدين. واضطرت صلاح الدين أن
    يخوض معركة الوحدة من جديد ولم يتم له ذلك إلا بعد أكثر من 12 سنة.

    ففي ربيع الأول 570 هـ -نوفمبر
    1174م ضم صلاح الدين دمشق سلماً، ثم ضم حمص دون قلعتها في 10 ديسمبر 1174،
    ثم ملك حماة وقلعتها 28 ديسمبر 1174، ثم عاد فسيطر على قلعة حمص، ثم
    استولى على بعلبك في رمضان من نفس العام فصار أكثر الشام بيده، وكان صلاح
    الدين طوال ذلك الوقت محافظاً على ولائه الظاهر للصالح بن نور الدين
    والدعوة له في المساجد وسك العملة باسمه، ولكن بعد أن وقعت معركة بين صلاح
    الدين من جهة وبين جند حلب والموصل الزنكيين من جهة أخرى وانتصر فيها صلاح
    الدين، قطع حينئذ صلاح الدين الخطبة وسك العملة للملك الصالح، وتسمَّى هو
    بملك مصر والشام وأقره الخليفة على ذلك. ثم استولى صلاح الدين في نفس
    العام (570هـ) على قلعة بعرين(86).

    وفي السنة التالية 570هـ استولى
    صلاح الدين على بزاعة ومنبج وإعزاز(87)، وفي 577هـ توفي الملك الصالح
    إسماعيل في حلب ولم يكمل العشرين عاماً(88)، وفي 578هـ عبر صلاح الدين
    الفرات وملك منطقة الجزيرة (الرها - حران - الرقة...) وملك سنجار(89)، وفي
    579هـ ملك صلاح الدين آمد وتل خالد وعينتاب(90)، وملك حلب في صفر من نفس
    العام حيث نزل عنها عماد الدين بن مودود بن زنكي مقابل سنجار ونصيبين
    والخابور والرقة وسروج، وبملك صلاح الدين حلب -بعد حصارها مرات عديدة-
    «استقر ملك صلاح الدين بملكها وكان مزلزلاً فثبت قدمه بتسلمها...»(91)،كما
    فتح صلاح الدين قلعة حارم(92). وفي سنة 581هـ ملك صلاح الدين ميافارقين،
    واستلم شهرزور وولاية القرابلي وجميع ما وراء نهر الزاب(93). وأخيراً دخلت
    الموصل وما يتبعها في حكم صلاح الدين في 582هـ - 1186م(94).

    استمرار الجهاد:
    ولم تخل هذه المرحلة 569-582هـ،
    1174-1186م من معارك عنيفة(95) مع الصليبيين أسهمت في المحافظة على هيبة
    المسلمين، والتعرف على إمكانات العدو ونقاط ضعفه، واستدراك جوانب النقص
    عند المسلمين، وعدم إعطاء العدو فرصة للتقوِّي والتمدد والانتشار، إلا أن
    صلاح الدين لم يدخل في معركة فاصلة مع الصليبيين.

    ونمر هنا على أهم الوقائع مع
    الصليبيين في تلك الفترة، ففي سنة 570هـ هزم المسلمون الأسطول الصليبي
    القادم من صقلية والذي هاجم الإسكندرية بخمسين ألف رجل هزيمة كبيرة(96).
    وفي 573هـ هاجم صلاح الدين الفرنج من جهة مصر حتى وصل عسقلان وفتحها وأسر
    وقتل وأحرق، ثم انساح جند صلاح الدين لما رأوا أن الفرنج لم يظهر لهم عسكر
    وسار صلاح الدين للرملة وهناك فاجأهم الفرنج وهزموهم ورجع صلاح الدين في
    نفر يسير ومشقّة شديدة(97)، وكان درساً قاسياً له. وفي نفس العام حاصر
    الفرنج حماة وحارم وفشلوا، وهزم الفرنج في العام التالي عند حماه(98). وفي
    575هـ أغار صلاح الدين على مناطق سيطرة الفرنج وخرب الحصن الذي أقاموه
    بمخاضة الأحزان قرب بانياس، ووقعت معركة شديدة انتصر فيها المسلمون ونجا
    ملك الفرنج وأسر عدد من قادتهم: ابن بيرزان صاحب الرملة ونابلس وهو أعظم
    الفرنج محلاً عند الملك، وأسر أخوه صاحب جبيل، كما أُسر صاحب طبرية ومقدم
    الداوية وصاحب جنين(99).

    وفي 578هـ قام صلاح الدين بغارات
    على أطراف مناطق سيطرة الفرنج مُركِّزاً على الشوبك والكرك، وفتح المسلمون
    الشقيف من أعمال طبرية على يد فرخشاه (والي دمشق)، واقتحم فرخشاه بيسان
    وغنم ما فيها، وسارت العرب فأغارت على جنين واللجون حتى قاربوا عكا(100).
    وفي نفس العام هزم أسطول صلاح الدين الأسطول الذي سيره أرناط (رونالد دي
    شاتيون) حاكم الكرك في البحر الأحمر للتخريب في سواحل المسلمين ومهاجمة
    مكة والمدينة...، وأرسل بعض أسرى الفرنج إلى منى لينحروا عقوبة لمن رام
    إخافة حرم الله(101).

    وفي 579هـ عبر صلاح الدين نهر
    الأردن في 19 جمادى الآخرة فقصد بيسان وأحرقها وخربها «وأغار المسلمون على
    تلك الأعمال يميناً وشمالاً ووصلوا فيها إلى مالم يكونوا يطمعون في الوصول
    إليه والإقدام عليه». كما غزا صلاح الدين الكرك، وعاد فحاصرها في السنة
    التالية دون جدوى ثم سار (580هـ) إلى نابلس ونهب كل ما على طريقه من
    البلاد فلما وصل نابلس أحرقها وخربها وقتل فيها وسبى وأسر، وسار إلى
    سبسطية فاستنقذ جماعة من أسرى المسلمين، ووصل إلى جنين فنهبها وخربها وعاد
    إلى دمشق وهو يبث السرايا عن يمينه وشماله يغنمون ويخربون أملاك
    الفرنج(102).

    وفي سنة 582هـ مات ملك الفرنج في
    بيت المقدس وتولى مكانه طفل صغير وحدث خلاف وطمع في السلطة بين الفرنج جعل
    صاحب طرابلس يراسل صلاح الدين ويتحالف معه ضد أقرانه من الفرنج. وفي السنة
    نفسها غدر صاحب الكرك أرناط بقافلة عظيمة للمسلمين فأخذها عن آخرها
    وغنمها، ولم يستجب لطلب صلاح الدين ووعيده بإطلاقها، فأقسم صلاح الدين
    ليقتلنه إن ظفر به(103).

    وهكذا دخلت سنة 583هـ وقد نضجت ظروف
    الإعداد للمعركة الفاصلة من توحيد لقوى المسلمين، ومن كسر لهيبة الصليبيين
    وخبرة أوسع في فن التعامل معهم، وبهذا دخل صلاح الدين معركة حطين. وقبل
    الإشارة إلى معركة حطين نقف قليلاً عند استرتيجية العمل لدى صلاح الدين.

    استراتيجية العمل والإعداد لدى صلاح الدين:
    1- الان طلاق من قاعدة قوية ومأمونة:
    وتمثل ذلك في إعادة الوحدة وتقويتها، وبناء الإنسان المسلم المقاتل، وبناء الاقتصاد الحربي.
    2- بناء المجتمع للحرب:
    وفي هذا حرص على إشاعة العدل وإزالة
    الأحقاد بين إمارات المسلمين وتوجيه العداء ضد الصليبيين. كما أقام
    الصناعات الحربية من دور صناعة سفن وتنظيم الحصون وحمايتها وتجهيزات
    الحصار...

    3- وضوح الهدف:
    الذي تمثل بقيادة الأمة الإسلامية
    لطرد الصليبيين. وهذا الوضوح ساعد على كفاءة الأداء والإعداد فكان «يبذل
    أقل جهد لأفضل نتيجة»، كما ساعد على تحديد أهداف العمليات العسكرية فكانت
    الأولوية للتحرير، وحددت السياسات على هذا الأساس.

    4- الحرص على المسلمين:
    فهو «يحرص على المسلمين لتحقيق هدف
    الحرب، ويحرص على الحرب للمحافظة على المسلمين»، وقد اعتاد على رد العدوان
    بأقوى منه حفاظاً على الروح المعنوية، وتبني الاستعداد القتالي المستمر،
    وحدد لكل عملية أساليبها المناسبة(104).

    بالإضافة إلى هذه الاستراتيجيات
    الأساسية فقد تبنى صلاح الدين في معاركه استراتيجية الهجوم غير المباشر
    مثل القيام بمسيرات طويلة وهجمات مباغتة، والهجوم على جهة لتخفيف الضغط
    على جهة أخرى. واستراتيجية الحرب التشتيتية كتشتيت الجيش المعادي داخل
    المعركة (فصل الفرسان عن المشاة مثلاً)، واستغلال النزاعات السياسية وضرب
    فريق بآخر وتحييد الأعداء. واستراتيجية الهجمات الوقائية التي تضعف قدرة
    العدو القتالية قبل هجومه أو استكمال استعداده(105).

    وحقق صلاح الدين في حروبه المبادئ الأساسية للحرب بكفاءة كبيرة مثل:
    - مبدأ المباغتة.
    - مبدأ أمن العمل: بما تمثل له من شبكة أمنية جاسوسية قوية ودقيقة.
    - مبدأ القدرة الحركية: بما تعنيه من سرعة تحرك الجيش وتجمعه وانتقاله.
    - مبدأ المبادأة والقوة الهجومية: الذي تمثل بتحويل الروح الدفاعية إلى هجومية.
    - مبدأ الاقتصاد بالقوى: فلكل معركة ما يناسبها.
    - مبدأ المحافظة على الهدف: فكان
    يهتم بتدمير القوى البشرية للصليبيين بالدرجة الأولى، وحرمانهم من مواردهم
    الاقتصادية وتحويلهم إلى عبء على الغرب، وتحرير الأرض من الداخل باتجاه
    الساحل.

    وبالنسبة للجيش الإسلامي فإن صلاح
    الدين رسخ الاستعدد الدائم للقتال، ورفع الروح الإيمانية والجهادية في
    النفوس، كما نمى الكفاءة البدنية الجسدية، وأكد على الانضباط وكمال الطاعة
    (في غير معصية)(106).

    معركة حطين:
    جهز صلاح الدين جيشه للمعركة
    الفاصلة وكانوا 12 ألف مقاتل نظامي سوى المتطوعة وجهز الفرنج أنفسهم
    وتصالحوا وتجمعت ملوكهم وجيوشهم، وكونوا جيشاً من حوالي 63 ألف مقاتل.

    اجتاز صلاح الدين نهر الأردن، وفتح
    طبرية بدون قلعتها، وبدأت المناوشات يوم الجمعة إلا أن المعركة احتدمت يوم
    السبت 24 ربيع الآخر 583هـ - 4 يوليو 1187م، وعانى الفرنج من الحر والعطش،
    وحصرهم المسلمون وأحرقوا الحشائش الجافة من حولهم ومن تحتهم «فاجتمع عليهم
    حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال»، ثم أمر السلطان
    بالتكبير وبالحملة الصادقة، فمنح الله المسلمين أكتاف الفرنج فقتلوا منهم
    ثلاثين ألفاً وأسروا ثلاثين ألفاً، وكان فيمن أسر جميع ملوكهم سوى أمير
    طرابلس «ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله، ودفع الباطل وأهله،
    حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج،
    قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيراً بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور
    لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين»(107).

    ووقع في الأسر الملك جاي ملك بيت
    المقدس وأخوه، وأرناط حاكم الكرك الذي قتله صلاح الدين بيده براً بيمينه
    لغدره وإيذائه المسلمين، وأسروا صاحب جبيل وابن هنفرى، ومقدم الداوية،
    وجماعة من الداوية وجماعة من الاسبتارية وقد أعدم المسلمون الداوية
    والاسبتارية لشدة نكايتهم في المسلمين(108).

    هذه هي وقعة حطين، وهي إحدى المعارك
    الفاصلة في التاريخ الإسلامي وتاريخ فلسطين، بات المسلمون ليلتها يكثرون
    من التكبير والتهليل، وانتهت بسجود صلاح الدين لله شكراً مع سقوط خيمة ملك
    الفرنج وأسره(109).

    وبعد هذه المعركة فتحت الطريق أمام
    المسلمين لتحرير معظم أرجاء فلسطين فخلال أيام قليلة تم فتح طبرية ثم عكا
    (10 يوليو)، ثم الناصرة وصفورية، ثم قيسارية وحيفا وأرسوف، ثم نابلس، ثم
    الفولة ودبورية وجنين وزعين والطور واللجون وبيسان وجميع ما يتبع طبرية
    وعكا، وتم فتح يافا. ثم اتجه المسلمون شمالاً ففتحوا حصن تبنين، ثم صيدا
    (29 يوليو)، ثم بيروت (6 أغسطس)، وجبيل. ثم اتجهوا جنوباً لاستكمال فتوح
    فلسطين ففتحوا الرملة ويبنه وبيت لحم والخليل، ثم عسقلان (4 سبتمبر)، وغزة
    والداروم، وأقام صلاح الدين بعسقلان حتى تسلم حصون الداوية في غزة
    والنطرون وبيت جبريل... وغيرها(110). وقد تمَّ ذلك كله لصلاح الدين في
    شهرين تقريباً وبعضها كان يحتاج إلى سنين من الحصار لاقتحامه وكان جملة ما
    فتح «خمسين بلداً كباراً كل بلد له مقاتلة وقلعة ومنعة»(111).

    تحرير بيت المقدس:
    وتطلعت الأنظار إلى القدس فأعد صلاح
    الدين عدته وبدأ حصارها في منتصف رجب 583هـ -20 سبتمبر 1187م، وكان داخل
    القدس حوالي ستين ألف مقاتل صليبي كلهم يرى الموت أهون عليه من تسليمها.
    وخلال أيام حصارها جرت صدامات عديدة وحاول المسلمون اقتحامها واقتتلوا
    «أشد قتال رآه الناس، وكل واحد من الفريقين يرى ذلك ديناً وحتماً واجباً
    فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني»(112). وطلب الفرنج الأمان مقابل تسليم
    المدينة فرفض صلاح الدين إلا أن يفعل بهم كما فعلوا بالمسلمين عندما
    احتلوها قبل حوالي تسعين عاماً، ثم عادوا وطلبوا الأمان وهددوا إن لم
    يعطوه أن يقتلوا أسرى المسلمين وهم ألوف، ثم يقومون بقتل نسائهم وذراريهم
    من النصارى ويحرقون ويعطبون أموالهم، ويقتلون حيواناتهم، ويخربون الصخرة
    والأقصى، ثم يخرجون ليقاتلوا حتى النهاية قتال المستميت. وشاور صلاح الدين
    أصحابه فأجمعوا على الإشارة بالأمان، فأمنهم صلاح الدين. وتم للمسلمين فتح
    القدس في 27 رجب 583هـ-2 أكتوبر 1187. وظهر من تسامح ورحمة صلاح الدين
    الكثير مما اعترف به الصليبيون أنفسهم(113).

    وهكذا عادت بيت المقدس لتحكم براية
    الإسلام بعد 91 سنة هجرية (88سنة ميلادية)، وأعيد للمسجد الأقصى بهاؤه
    ونضارته، وعاد صوت الآذان يصدح في جنباته، وتم إحضار المنبر الذي أعده نور
    الدين للمسجد الأقصى قبل فتحها بعشرين سنة(114).

    ومن المهم الإشارة إلى أن صلاح
    الدين تابع فتح المدن والقلاع الصليبية الأخرى، ففتح سنة 584هـ جبلة
    واللاذقية وقلعة صهيون، وفتح حصن بكاس والشغر وسرمينية وبرزية ودرب ساك
    وبغراس(115). كما فتح الكرك وما يجاورها كالشوبك بعد طول حصار بالأمان
    «وفرغ القلب من تلك الناحية وألقى الإسلام هناك جرانه وأمنت قلوب من كان
    في ذلك الصقع من البلاد كالقدس وغيره، فإنهم كانوا ممن بتلك الحصون وجلين
    ومن شرهم مشفقين». وفتح صلاح الدين صفد بالأمان بعد حصار وخرج الفرنج إلى
    صور «وكفى الله المؤمنين شرهم فإنهم كانوا وسط البلاد الإسلامية»(116)،
    كما فتح كوكب. وفي ربيع الأول 585هـ فتح صلاح الدين شقيف أرنوم وهي من
    أمنع الحصون(117).

    وهكذا، عادت أرض فلسطين لتحكم تحت راية الإسلام من جديد. ولكن ربيع الانتصارات لم يدم طويلاً فانفتحت صفحة جديدة من الصراع والتحدي.

    متابعة الجهاد ضد الصليبيين:
    تجمع الصليبيون الذين سقطت مدنهم
    وقلاعهم في صور، وكان صلاح الدين قد تسامح وتساهل معهم في الذهاب إليها،
    وأخذ الصليبيون يرسلون الاستغاثات وتأتيهم الإمدادات حتى قويت شوكتهم، ثم
    إن صلاح الدين أطلق سراح الملك جاي سنة 584هـ على أن يعود لفرنسا فذهب إلى
    صور وتولى قيادة الصليبيين من هناك بمساعدة أسطول من «بيزا» الإيطالية....
    «وكان ذلك كله بتفريط صلاح الدين في إطلاق كل من حصره حتى عض بنانه ندماً
    وأسفاً حيث لم ينفعه ذلك» على حد تعبير ابن الأثير(118).

    هاجم الصليبيون من صور مدينة عكا
    585هـ-1189م وانتظروا هناك حتى جاءتهم إمدادات الحملة الصليبية الثالثة
    التي دعا إليها البابا أوربان الثاني «لاستعادة» بيت المقدس يقودها ثلاثة
    من ملوك أوروبا، امبراطور ألمانيا فردريك بربروسا الذي مات وهلك أكثر جيشه
    في الطريق(119)، وريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا الذي جاء بحراً «فعظم به
    شرُّ الفرنج واشتدت نكايتهم في المسلمين، وكان رجل زمانه شجاعة ومكراً
    وجلداً وصبراً، وبلي المسلمون منه بالداهية التي لا مثل لها»(120)، وملك
    فرنسا فيليب أغسطس. وحاصرت جميع الجيوش عكا (ربيع الثاني - جمادى الأولى
    587هـ - يونيو 1191) وسقطت بأيدي الفرنج في 17 جمادى الأولى 587هـ -12
    يوليو 1191م. وبهذا عاد الصليبيون ليكون لهم موطئ قدم جديد في فلسطين.
    وتداول المسلمون والفرنج الصراع ونال كل طرف من الآخر، واستطاع الفرنج
    التمدد على الساحل إلى الجنوب فاحتلوا حيفا ويافا(121).

    ومن المهم الإشارة إلى أن الصراع
    كان دموياً مريراً فقد أشار ابن كثير إلى أن صلاح الدين أقام على عكا
    صابراً مصابراً مرابطاً سبعة وثلاثين شهراً وأن جملة من قتل من الفرنج كان
    خمسين ألفاً(122).

    وانتهت الحملة الصليبية الثالثة
    بعقد صلح الرملة بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين الأيوبي في 21 شعبان
    588هـ - 1سبتمبر 1192، وهو عبارة عن هدنة مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر،
    سيطر الفرنج بمقتضاها على الساحل من يافا إلى عكا، وسمح لهم بزيارة القدس
    وحرية التجارة وتنقل القوافل بين الطرفين(123). على أنه من المهم الإشارة
    هنا إلى بعض النقاط المتعلقة بهذا الصلح:

    1- لم يكن صلاح الدين يميل إلى عقد
    الصلح وعندما أحضر أمراءه المستشارين كان رأيه عدم قبول الهدنة، وكتب
    العماد الأصفهاني بأسلوبه رأي صلاح الدين... «نحن بحمد الله في قوة، وفي
    ترقب نصرة مرجوة...، وقد ألفنا الجهاد، وألفنا به المراد، والفطام عن
    المألوف صعب...، وما لنا شغل ولا مغزى إلا الغزو....، رأيي أن أخلّف رأي
    الهدنة ورائي، وأقدم بتقديم الجهاد اعتزازي وإليه اعتزائي...، ولي بتأييد
    الله من الأمر أجزمه وأحزمه»(124).

    ولكن مستشاريه أجمعوا على قبول
    الصلح بحجة خراب البلاد، وتعب الأجناد والرعية، وقلة الأقوات، ولأن الفرنج
    إذا لم تحدث الهدنة أصروا على البقاء والقتال، أما إن حدثت فسيعود للبلاد
    سكانها وعمارها، وتستريح الأجناد وتقوى وتستعد للحرب، وكان رأيهم أن
    الفرنجة لا يفون بعهودهم ولذلك نصحوه بعقد الهدنة حتى يتفرق الفرنج
    وينحلوا. وما زالوا به حتى رضي(125).

    2- إن هذا الصلح هدنة مؤقتة قصيرة
    الأجل وليس معاهدة سلام دائمة وقد عقد مثلها قبلها وبعدها العديد وهي
    جائزة في الشرع حسب تقدير المصلحة التي يقررها إمام المسلمين، وقد استمرت
    من بعدها الصراعات والمعارك.

    3- لم يتم في هذه الهدنة أي اعتراف
    للفرنج بأي حق لهم على أرض فلسطين، وإنما تقررت الهدنة بعدم القتال على ما
    انتزعوه من أرض إلى أن تنتهي الهدنة.

    وشتان ما بين هذه الهدنة التي عقد المسلمون منها العشرات وبين معاهدة السلام مع الكيان الإسرائيلي التي تجري في عصرنا.
    وعلى كل حال فإن الأمر لم يطل بصلاح
    الدين فتوفي رحمه الله في 27 صفر 589هـ 4مارس 1193(126)، أي بعد ستة أشهر
    فقط من توقيع صلح الرملة.

    الأيوبيون والصراع مع الصليبيين
    دب النزاع والشقاق بين خلفاء صلاح
    الدين، ودخلوا بعد سنوات من وفاته في صراعات دموية أضعفتهم، وقوت شوكة
    المملكة الصليبية في عكا التي استمرت وتمددت في بعض الأحيان على حسابهم.
    لقد كان حب الدنيا وحب السلطان ولو على حساب المبادئ والمقدسات أحد
    المظاهر التي حكمت عدداً من سلاطين الدولة الأيوبية، فتحالف بعضهم مع
    الصليبيين ضد بعض وعرضوا عليهم بيت المقدس أكثر من مرة مقابل أن ينتصر
    سلطان الشام على سلطان مصر أو العكس!! وقد سعد الصليبيون بهذا الدور الذي
    لعبوه، ولكنهم ظلوا على طمعهم في الجميع، غير أن ربيع الصليبيين لم يدم
    طويلاً.

    انتهت الحملة الصليبية الرابعة التي
    أرسلها الغرب 601هـ-1204م في القسطنطينية- ولم تصل إلى الشام أو مصر(127)،
    أما الحملة الخامسة فقد انطلقت من عكا نفسها بقيادة ملكها يوحنا بريين إلى
    دمياط بمصر 615-618هـ - 1218-1221م. وعندما شعر السلطان الأيوبي الكامل
    محمد بن محمد بن أيوب بخطورة الوضع عرض على الفرنج الصلح مقابل تسليمهم
    القدس ومعظم فتوح صلاح الدين، فرفضوا وطالبوا بجنوب شرق الأردن أيضاً
    (الكرك والشوبك...) وقام الملك المعظم عيسى بن أحمد بن أيوب صاحب دمشق
    بتدمير أسوار القدس وتخريبها حتى لا يستفيد منها الفرنج إذا احتلوها 616هـ
    -1219م لكن الأيوبيين حشدوا قواهم في النهاية واستطاعوا هزيمة الصليبيين
    الذين عادوا خائبين إلى عكا بعد أن فاتتهم فرصة عظيمة(128).

    ثم إن الخلاف الناشب بين الكامل
    محمد والمعظم عيسى أدى إلى استنجاد الكامل محمد بفردريك الثاني امبراطور
    الامبراطورية الرومانية المقدسة والذي أصبح وصياً على عرش مملكة عكا
    الصليبية، ووعده بتسليمه القدس إن هو ساعده على أخيه المعظم عيسى. وجاء
    فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ووصل إلى عكا سنة
    625هـ-1228م، ورغم أن المعظم عيسى توفي مما مكن أخويه الكامل والأشرف من
    اقتسام أملاكه مع إعطاء ابنه الناصر داود الكرك والبلقاء والأغوار والسلط
    والشوبك، ولم يعد الكامل بحاجة إلى فردريك الثاني، إلا أن الكامل فرط في
    القدس «وفاء» بعهده لفردريك!! الذي لم يكن لديه من القوة ما يكفي لإجبار
    المسلمين على التنازل عن القدس بل إن فردريك اضطر للبكاء واستعطاف الكامل
    في مراحل المفاوضات ليتسلم القدس!! ومما قاله للكامل «... أنا مملوكك
    وعتيقك وليس لي عما تأمره خروج.... فإن رأى السلطان أن ينعم علي بقبضة
    البلد والزيارة فيكون صدقة منه ويرتفع رأسي بين ملوك البحر»!! واستجاب له
    الكامل وعقد معه صلح يافا 626هـ- 18فبراير 1229م لمدة عشر سنوات وبمقتضاه
    تقرر أن يأخذ الفرنجة بيت المقدس وبيت لحم وتبنين وهونين وصيدا مع شريط من
    الأرض من القدس يخترق اللد وينتهي عند يافا فضلاً عن الناصرة وغرب الجليل،
    على أن يكون الحرم بما حواه من الصخرة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين(129).

    وهكذا استولى الفرنج على بيت المقدس
    الأمر الذي أثار غضب المسلمين «فاشتد البكاء وعظم الصراخ والعويل وأقيمت
    المآتم وعظم على أهل الإسلام هذا البلاء، وقال الوعاظ والعلماء: يا خجلة
    ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة. واشتد الإنكار على الملك الكامل وحقد أهل
    دمشق عليه ومن معه، وكثرت الشناعات عليه في سائر الأقطار»(130)، وقال ابن
    كثير «فعظم ذلك على المسلمين جداً، وحصل وهن شديد، وإرجاف عظيم»(131).

    واستمر الصراع بين أبناء البيت
    الأيوبي، غير أن الناصر داود صاحب الأردن انتهز فرصة انتهاء مدة صلح يافا
    وتحصين الفرنج بيت المقدس بخلاف الشروط فاستولى على القدس وطرد منها
    الفرنج 6 جمادى الأولى 637هـ - 7 ديسمبر 1239 ولكن الصالح إسماعيل صاحب
    دمشق سلمها لهم 638هـ-1240م!! بعد أن طلب مساعدتهم له ضد صاحب مصر الصالح
    نجم الدين أيوب، هذا فضلاً عن تسليمهم عسقلان وقلعة الشقيف ونهر الموجب
    وأعمالها وقلعة صفد وأعمالها ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالهما وجبل عامل
    وسائر بلاد الساحل... وقد أثار هذا التصرف سخط المسلمين الذين «أكثروا من
    التشنيع على الملك الصالح إسماعيل» وهكذا عادت القدس مرة أخرى للفرنج.

    وعندما حشد الصالح إسماعيل قواته
    لينضم إلى حلفائه الفرنج عند غزة لقتال الصالح أيوب رفض جند الشام محالفة
    الفرنج ضد إخوانهم فانحازوا إلى جند مصر وهزموا الفرنج هزيمة كبيرة، ولكن
    الصالح أيوب صالحهم 638هـ -1240م واستقرت سيطرتهم على بيت المقدس وما
    أعطاهم إياه الصالح إسماعيل(132).

    ومرة أخرى دخل أبناء البيت الأيوبي
    في الصراع وظلت القدس والأرض المقدسة ورقة يلعبون بها في تهافتهم على
    السلطة والنفوذ. فقد عرض الصالح إسماعيل مرة أخرى على الفرنج في عكا
    التحالف مقابل أن يسيطروا على القدس سيطرة تامة بما في ذلك الصخرة والمسجد
    الأقصى، وانضم إليه في ذلك الناصر داود، وفي الوقت نفسه عرض الصالح نجم
    الدين أيوب صاحب مصر على الصليبيين أنفسهم نفس العرض مقابل التحالف
    معهم(133)!!!

    واختار الفرنج التحالف مع الصالح
    إسماعيل الذي شرع في غزو مصر بمساعدة حليفه الناصر داود والمنصور إبراهيم
    ملك حمص إلى جانب الفرنج. واستعان الصالح نجم الدين أيوب بالخوارزمية
    الذين جاءوا لمساعدته في قوة من عشرة آلاف مقاتل في طريقها إليه
    بالاستيلاء على طبرية ونابلس، اقتحمت بيت المقدس في 17 يوليو واستعادت بيت
    المقدس بشكل كامل إلى حظيرة الإسلام 642هـ - 23 أغسطس 1244م(134). وبذلك
    عادت بيت المقدس نهائياً إلى أيدي المسلمين، وظلت تحتفظ بهويتها الإسلامية
    حتى دخلها الإنجليز في 10 ديسمبر 1917.

    ثم إن الخوارزمية اتجهوا لمساعدة
    الصالح أيوب ضد الصالح إسماعيل وحلفائه، ووقعت معركة غزة الثانية (قرب غزة
    في موقع اسمه هِرْبيا) بين هذه القوى في 12 جمادى الأولى 642هـ-17 أكتوبر
    1244 وانتهت بهزيمة ساحقة للصالح إسماعيل والفرنج وقدِّر فيها عدد قتلى
    الفرنج بأكثر من ثلاثين ألفاً عدا ثمانمائة أسير سيقوا إلى مصر، وكانت هذه
    المعركة هي أخطر ضربة تلقاها الصليبيون بعد معركة حطين، وتعتبر من المعارك
    الفاصلة في تاريخ فلسطين. إذ ضعف الصليبيون بعدها ولم يتمكنوا من التوسع
    وسعوا إلى الاحتفاظ بما لديهم(135).

    ثم قام الصالح أيوب بالسيطرة على
    القدس والخليل وبيت جبرين والأغوار ودمشق سنة 642هـ- 1245م، وعاقب الفرنج
    فسيطر على قلعة طبرية واقتحم عسقلان وبذلك انحسرت حدود مملكة الفرنج إلى
    أبواب يافا سنة 644هـ-1247م. ثم داهمت مصر الحملة الصليبية السابعة بزعامة
    لويس التاسع ملك فرنسا 646هـ-1249م والتي انتهت بالفشل وأسر لويس التاسع
    ثمَّ إطلاق سراحه وذهابه إلى عكا(136). ثم ما لبث الحكم الأيوبي لمصر أن
    انتهى بدخولها تحت حكم المماليك 647هـ - 1250م، وبدأت صفحة جديدة من صفحات
    الجهاد ضد المغول والصليبيين(137).
    وهكذا
    فإن بيت المقدس والأرض المقدسة في السنوات الخمسين التي تلت حكم صلاح
    الدين الأيوبي كانت عرضة لحالة من عدم الاستقرار خصوصاً في النصف الثاني
    منها، واستخدمت أكثر من مرة في مساومات عدد من حكام البيت الأيوبي مع
    الفرنج مقابل عقد تحالفات معينة، وافتقد هؤلاء مصداقيتهم الجهادية
    الإسلامية، حتى إن قتالهم للفرنج لم يكن يعبر بالضرورة عن التزامهم
    الإسلامي بقدر حرصهم على الحكم والنفوذ والمصالح الشخصية، ولذلك كان
    القتال مع الفرنج يعبر إلى حد كبير عن موازين القوى المادية بين هذه
    الأطراف، وهو ما جعل القدس وأجزاء من فلسطين







    http://www.mathtaj.co.cc/vb
    تاج الرياضيات
    تعليمى شامل

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 10:45 pm